عبد الملك الثعالبي النيسابوري
295
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
وبين أبي بكر الخوارزمي ما كان سببا لهبوب ريح الهمذاني وعلو أمره وقرب نجحه وبعد صيته ، إذ لم يكن في الحسبان والحساب أن أحدا من الأدباء والكتاب والشعراء ينبري لمباراته ، ويجترىء على مجاراته ، فلما تصدى الهمذاني لمساجلته ، وتعرض للتحكك به ، وجرت بينهما مكاتبات ومباهاة ومناظرات ومناضلات ، وأفضى السنان إلى العنان ، وفرع النبع بالنبع ، وغلب هذا قوم وذاك آخرون ، وجرى من الترجيح بينهما ما يجري بين الخصمين المتحاكمين والقرنين المتصاولين ، طار ذكر الهمداني في الآفاق ، وارتفع مقداره عند الملوك والرؤساء ، وظهرت أمارة الإقبال على أموره ، وأدرّ له أخلاف الرزق « 1 » وأركبه أكناف العز ، وأجاب الخوارزمي داعي ربه فخلا للهمذاني ، وتصرفت به أحوال جميلة . وأسفار كثيرة ، ولم يبق من بلاد خراسان وسجستان وغزنة بلدة إلا دخلها وجنى وجبى ثمرتها ، واستفاد خيرها وميرها « 2 » ، ولا ملك ولا أمير ولا وزير ولا رئيس إلا استمطر منه بنوء ، وسرى معه في ضوء ، ففاز برغائب النعم ، وحصل على غرائب القسم . وألقى عصاة بهراة واتخذها دار قراره ، ومجمع أسبابه ، وما زال يرتاد للوصلة بيتا يجمع الأصل والفضل ، والطهارة والستر والقديم والحديث ، حتى وفق التوفيق كله ، وخار اللّه له في مصاهرة أبي علي الحسين بن محمد الخشنامي وهو الفاضل الكريم الأصيل ، الذي لا يزاد اختبارا ، إلا زيد اختيارا ، فانتظمت أحوال أبي الفضل بصهره ، وتعرفت القرة في عينه والقوة في ظهره ، واقتنى بمعونته ومشورته ضياعا فاخرة [ وأثر معيشة صالحة وثروة ظاهرة ] وعاش عيشة راضية ، وحين بلغ أشده وأربى على أربعين سنة ناداه اللّه فلباه [ وقدم على آخرته ] وفارق دنياه في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة ، فقالمت عليه نوادب الأدب ، وانثلم حد القلم ، وفقدت عين الفضل قرتها ، وجبهة الدهر غرتها . وبكاه الأفاضل مع الفضائل ، ورثاه الأكارم مع المكارم ، على أنه ما مات من لم
--> ( 1 ) أخلاف الرزق : عائده وحاصله . ( 2 ) المير : الطعام ، ويقال : ما عنده خير ولا مير : أي لا عاجل ولا آجل .